الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

357

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

قَرْضاً حَسَناً من عطف المرادف في المعنى لما في المعطوف من تشبيه فعلهم بقرض للّه تنويها بالصدقات . وقرأه ابن كثير وأبو بكر عن عاصم بتخفيف الصاد على أنه من التصديق ، أي الذين صدّقوا الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، أي آمنوا وامتثلوا أمره فأقرضوا اللّه قرضا حسنا . وقرأ الجمهور يُضاعَفُ لَهُمْ بألف بعد الضاد . وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب يضعف بدون ألف وبتشديد العين . وعطف وَأَقْرَضُوا وهو جملة على الْمُصَّدِّقِينَ وهو مفرد لأن المفرد في حكم الفعل حيث كانت اللام في معنى الموصول فقوة الكلام : إن الذين اصّدّقوا واللائي تصدقن وأقرضوا ، على التغليب ولا فصل بأجنبي على أن الفصل لا يمنع إذا لم يفسد المعنى . ووجه العدول عن تماثل الصلتين فلم يقل : إن المصدقين والمقرضين ، هو تصوير معنى كون التصدق إقراضا للّه . وتقدم معنى يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ في قوله : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ [ الحديد : 11 ] الآية . [ 19 ] [ سورة الحديد ( 57 ) : آية 19 ] وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ( 19 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ . لما ذكر فضل المتصدقين وكان من المؤمنين من لا مال له ليتصدق منه أعقب ذكر المتصدقين ببيان فضل المؤمنين مطلقا ، وهو شامل لمن يستطيع أن يتصدق ومن لا يستطيع على نحو التذكير المتقدم آنفا في قوله : وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى [ النساء : 95 ] . و في الحديث : « إن قوما من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قالوا : يا رسول اللّه ذهب أهل الدثور بالأجور يصلّون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم ولا أموال لنا ، فقال : أوليس قد جعل اللّه لكم ما تصدّقون به ، إن لكم في كل تسبيحة صدقة ، وكل تحميدة صدقة ، وكل تكبيرة صدقة ، وأمر بالمعروف صدقة ، ونهي عن المنكر صدقة » .